حكيم ألادي نجم الدين

السبت، 7 سبتمبر 2019

لا مساعدة دون مقابل: ما خطة اليابان لمنافسة الصين في أفريقيا؟

سبتمبر 07, 2019
لا مساعدة دون مقابل: ما خطة اليابان لمنافسة الصين في أفريقيا؟
توافد عشرات الزعماء والمسؤولين الأفارقة إلى مدينة يوكوهاما اليابانية في أواخر أغسطس الماضي لحضور النسخة السابعة من "مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الإفريقية" (TICAD)، الذي يُمَثّل حجر الزاوية لجهود اليابان الإنمائية تجاه القارة الإفريقية، ويُنظَّم بالتعاون مع عددٍ من الشركاء الدوليين؛ بما في ذلك الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، ومفوضية الاتحاد الإفريقي.

وقد أكّد هذا المؤتمر الأخير على تعزيز تحوّل اليابان من تقديم "المساعدة" المباشرة إلى شراكة أكثر شمولية مع إفريقيا تنطوي على العمل مع القطاع الخاص في التنمية المستدامة والبنية التحتية الحيوية. وأعلن رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" أنَّ القطاع الخاص الياباني سيستثمر 20 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات قادمة في إفريقيا، وأن بلاده ستوفّر "دعمًا غير محدود" للاستثمار والابتكار والمشاريع وريادة الأعمال، بدعم من المؤسسات التي تدعمها الحكومة اليابانية.

وبغضِّ النظر عن وعود التعاون والشراكة، أصبح "مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الإفريقية" واحدًا من المؤتمرات التي يتكرَّر حدوثها في جميع أنحاء العالم باسم إفريقيا أو "مساعدة القارة الأفريقية" على التطوُّر والتنمية؛ حيث يجتمع الناس وتقدّم البلدان تعهداتها مع جذب الشركاء الأفارقة لـ "المساعدة والتجارة والاستثمار". ومع ذلك، فإن نفوذ الصين في إفريقيا أكبر من تعهدات المؤتمر؛ لأن الصين حاليًا تُعتبر أكبر شريك تجاري لإفريقيا وأكبر مُمَوِّل للبنية التحتية؛ ففي العام الماضي، تعهَّد الرئيس الصيني "شي جين بينغ" بتقديم 60 مليار دولار لمشاريع التنمية بالقارة.

لا يوجد غذاء بلا مقابل


إنّ خطط اليابان بضخّ المزيد من الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية بإفريقيا يعني انتقال التنافس الطويل بين الصين واليابان مرة أخرى إلى إفريقيا؛ حيث الصين التي قدَّمت الأموال على مدى عقود للقارة ستراقب باهتمام خُطَّة ونتائج تنفيذ تعهُّدات اليابان وشراكتها مع قادة ومسؤولي 54 دولة إفريقية ومؤسساتها.

ومن ناحية الحجم والتأثير، فإنَّ استثمارات اليابان في إفريقيا وتعهداتها الأخيرة، لم تكن بعدُ كافية لزعزعة هيمنة الصين، خصوصًا وأن استراتيجية اليابان التقليدية والسابقة هي تركيز جهودها في دبلوماسية القوَّة الناعمة، وذلك من خلال توفير "مساعدات التنمية".

وقد شهدت هذه الاستراتيجية في الآونة الأخيرة تحولاً جذريًّا. والسبب يعود - في رأي البروفيسور "ج. بيركشاير ميلر" خبير شؤون شمال شرق آسيا - إلى أن اليابان نظرًا لحجمها ومشاكلها الاقتصادية المحلية  تواجه صعوبة كبيرة في التنافس من حيث كمية التمويل مع لاعبين آخرين في القارة، وخاصة الصين. كما أن اليابان أدركت أهمية ربط مساعدتها واستثماراتها بمصالح سياستها الخارجية الأساسية؛ بما في ذلك تعزيز رؤيتها الحرة والمفتوحة في المحيط الهادئ (FOIP)، والتي تلعب فيها إفريقيا دورًا مهمًّا.

وتأمل اليابان أيضًا أن يساعد دعمها للتنمية المستدامة بإفريقيا في الحصول على دعم أعضاء "مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الإفريقية" الآخرين لإصلاح الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فقد حاولت اليابان - وهي أحد أكبر المانحين للأمم المتحدة – مرارًا الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وحثَّت الدول الإفريقية - من بين دول أخرى - على دعم موقفها. وأَوْلَتْ إفريقيا أهمية خاصة في حملتها؛ نظرًا إلى عدد الأصوات (54 دولة) الإفريقية، ليتحوّل الهدف المشترك بين اليابان وحلفائها الدوليين – بما في ذلك الدول الإفريقية - تجاه الأمم المتحدة هذا العام إلى تأكيد جميع الأطراف على ضرورة "الإصلاح العاجل" للأمم المتحدة، وسعيهم إلى تحقيق ذلك.

توفير ثِقَل أيديولوجي مُوازَن للصين


وإذ تجد اليابان تحدِّيًا في منافسة الاستثمار الصيني في القارة؛ فإن طوكيو تركِّز على نقاط قوتها الأساسية – أي تعزيز التنمية المستدامة - من خلال تمويل شراكات تهدف إلى تعزيز الابتكار التكنولوجي، والتصنيع، والاستثمار المؤثر، والبناء المؤسسي، والتكيُّف مع تغير المناخ. وتهدف استراتيجية اليابان أيضًا إلى توفير ثقل أيديولوجي موازن للصين - كما أعلن "آبي" في مؤتمر TICAD السادس في نيروبي عام 2016م - من خلال بناء شراكة "تقدر الحرية وسيادة القانون واقتصاد السوق، خالية من القوة أو الإكراه".

[caption id="attachment_1310" align="alignleft" width="231"] Source: JICA/Foreign Policy[/caption]

"إنها خطوة بعيدة عن المساعدات التقليدية نحو مزيد من المشاركة التجارية، ومعها تركيز أقوى على خطط التنمية وبرامج الوكالة الإفريقية على نهج إرشادي أكثر تقليدية"؛ هكذا قال "كوبوس فان ستادن" باحث في العلاقات الصينية الإفريقية بمعهد جنوب إفريقيا للشؤون الدولية لموقع "كوارتز".

وبدا في مؤتمر هذا العام أن المسؤولين اليابانيين حريصون على التقليل من أهمية الرواية والتقارير التي تقول إنهم يحاولون مواجهة الصين في إفريقيا. لكن الصين - كما أشار "فان ستادن" - قد لعبت دورًا كبيرًا في إقناع الجهات الفاعلة الدولية بأنه من الممكن إقامة علاقات تجارية ناجحة مع إفريقيا. بل بالنظر إلى تزايد عدد سكان القارة واعتمادهم السريع على التكنولوجيا وتحسين البنية التحتية والتعليم، فإن الفاعلين الخارجيين أصبحوا يدركون أن القارة ستكون قوة اقتصادية في القرن القادم.

توجيه الاستثمار في المجالات الحيوية


لقد أفادت وزارة الخارجية اليابانية بأن هناك 75،531 مكتبًا للشركات اليابانية في الخارج اعتبارًا من أكتوبر 2017م، ولكنَّ 796 مكتبًا أو ما يقرب من 1٪ فقط من هذه المكاتب تقع في إفريقيا. فبدأت السلطات في اليابان تشجِّع شركاتها على العمل مع الشركات الناشئة في إفريقيا، وتحمَّلت تيسير وإقامة اجتماعات وتوقيع اتفاقيات التعاون، وأصبحت الشركات اليابانية الآن - كنظيراتها الصينية - تنظر إلى إفريقيا كوجهة للاستثمار.

ونتيجة لتلك الجهود؛ استثمرت في العام الماضي شركة "تويوتا" لصناعة السيارات مليوني دولار في شركة " Sendy" للوجستيات بكينيا، واستثمرت شركة " Sumitomo" في شركة " M-Kopa" للطاقة الشمسية التي تتخذ من العاصمة الكينية نيروبي مقرًّا لها. وقامت شركة التأمين اليابانية "Sompo Holdings" بتمويل منصة الدفع "BitPesa"، بينما حصل تطبيق "Max" للدراجات النارية في نيجيريا على 7 ملايين دولار من شركة "Yamaha" اليابانية لصناعة الدراجات النارية.

وفي أواخر شهر أغسطس الماضي، أعلنت شركة "Mitsubishi" لصناعة السيارات عن توفير 50 ​​مليون دولار لتمكين "BBOXX" من التوسع في آسيا، وهي شركة الطاقة الشمسية التي توفر حلول الطاقة النظيفة بأسعار معقولة لقارة إفريقيا، كما توفر الألواح الشمسية وبطاريات التخزين للمنازل باستخدام طريقة الدفع الفوري.

"اليابانيون يتبنَّوْنَ رؤية طويلة المدى للطاقة"؛ يقول "سيمون برانسفيلد غارث" الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة أزوري تكنولوجيز" التي توفّر حلول الطاقة الشمسية خارج الشبكة في أفريقيا - في مقابلة مع "فوبز". وأضاف: "إن ذلك يعني تبنّي نظرة تقدمية للقطاع. زمام المبادرة الذي تأخذه الشركات اليابانية فيما يتعلق بإفريقيا هو: كيف يمكن إطلاق أحدث التقنيات هناك".

ويفسِّر نظرة اليابان التقدمية أيضًا تصريح رئيس الوزراء "آبي" لوفد إفريقي في اليابان: "إننا في عصر ستحلّ فيه التحديات التي تواجهها إفريقيا من خلال العلوم والتكنولوجيا والابتكار".

أما عن تحوّل اليابان في المؤتمر الأخير من المنهج القائم على تقديم "المساعدة" إلى المنهج القائم على الاستثمار وتعزيز التنمية المستدامة؛ حيث لم يصدر رئيس الوزراء الياباني "آبي" أي إعلانات أو بيانات بشأن المساعدات؛ فهذا يعود إلى تزايد الاهتمام العالمي بالفرص الاستثمارية بإفريقيا، ووجود بدائل أخرى للقروض، أو تزايد المخاوف حول الاقتصاد العالمي.

ويرى "كوبوس فان ستادن" أن ذلك قد يكون مؤشرًا على انخفاض الرغبة الإفريقية والدولية للحصول على القروض الكبيرة، خصوصًا وأن الصين تواجه انتقادات بأن ممارساتها للقروض تدفع الدول الإفريقية إلى الديون. "اليابان تشجّع استثمارات القطاع الخاص بدلاً من القروض والمساعدات، ولكنَّ مدى تأثير ذلك لم يتَّضح بعدُ".

الخميس، 29 أغسطس 2019

الحاج داودا كيروبا جاوارا (1924 - 2019)

أغسطس 29, 2019
الحاج داودا كيروبا جاوارا (1924 - 2019)
تُوفِّي يوم الثلاثاء (الموافق 27/8/2019م) الحاج السر "داودا كَيْرابا جاوارا" -الأب المؤسس لدولة غامبيا الحديثة، وأول رئيس لها بعد الاستقلال، عن عمر يناهز 95 عامًا. وما زال الغامبيون يرسلون إلى أهله أدعيتهم وتعازيهم، بينما اتخذ الآخرون لحظات إعلان وفاته فرصة للثناء عليه، ولإبراز أهم إنجازاته في البلاد.

وبالرجوع إلى تاريخ غامبيا الحديث؛ فقد بدأ "داودا جاوارا" نضاله من أجل تحقيق استقلال البلاد بسنوات قبل نشر "أليكس هيلي" -المؤلف الأمريكي من أصل إفريقي– كتابَه "جذور" عام 1976، وقبل زيارتَي "هيلي" الشهيرتين لغامبيا عام 1967م و1977م.



لكن جهود "جاوارا" رغم نجاحاتها لم تجذب الاهتمام العالمي؛ فقد استقلّتْ غامبيا عن بريطانيا عام 1965م، ولكنها مع ذلك مجرّد سطر عريض غير مشهور لدى البعض، أو نقطة صغيرة على الخريطة الإفريقية، فمنحها اهتمام "هيلي" -الذي كان بدوره يبحث عن جذور أجداده (بدءًا من كُنْتَا كِنْتِي الذي اختُطف من غامبيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية كالرقيق)– شهرة واسعة في الأوساط الأمريكية والعالمية.

كما انتقل "داودا جاوارا" بسبب الكتاب والزيارة من بطل قومه إلى بطل المقالات والتقارير الصحفية الدولية التي ترفق معها خريطة غامبيا ومجتمعاتها الريفية أو ما تسمى "المحمية"، ومدينة "بانجول" المعروفة باسم "باتهورست" حتى عام 1973م.

الولادة والدراسة

وُلد الحاج السر "داودا جاوارا" في 16 مايو 1924م، في بلدة "باراجالي" الصغيرة لأبٍ مزارع من الماندينغ الذي خصَّص له مكانة خاصة بين أبنائه الستة ليحصل على التعليم الحديث. فألحقه أبوه بالمدرسة الابتدائية الإسلامية المحلية، وانتقل "جاوارا" إلى غانا بعد تخرجه من المدرسة الثانوية الميثودية للبنين في العاصمة "باتهورست" في عام 1945م، ودرس العلوم في كلية "أشيموتا" لمدة عامين قبل مغادرته إلى اسكتلندا والتحاقه بـ "جامعة غلاسكو" عام 1948م لدراسة الجراحة البيطرية.

في عام 1953م تأهل "جاوارا" كطبيب بيطري، وكان سجلّه الجامعي الذي نشرته الجامعة يشيد بالدور النشط الذي لعبه في الحياة الجامعية. وكان سكرتيرًا ثم رئيسًا لاتحاد الطلاب الأفارقة في غلاسكو. وفي عام 1954م عاد إلى بلاده ليمارس مهنته كطبيب حيواني حكومي، وقضى معظم ساعات عمله في المناطق الريفية من المحمية؛ حيث كانت هناك حاجة ماسَّة إلى برامج مكافحة الأمراض الزراعية.

ورغم أنه أصبح المسؤول البيطري الرئيسي في المحمية البريطانية عام 1957م، إلا أن اهتمامه الشديد بالسياسة تطوَّر بسبب الحالات المزرية لسكان المناطق الريفية خلافًا للترف والرفاهية المتاحة في المدينة؛ حيث يقضي هو وقت فراغه. فانضم إلى "حزب شعب المحمية" (PPP)؛ الحركة السياسية حديثة النشأة وقتذاك. بل غيَّر اسم الحزب إلى "حزب الشعب التقدمي"، وأصبح قائده.

البداية السياسية واستقلال غامبيا

فاز "جاوارا" في انتخابات عام 1960م بمقعد في الهيئة التشريعية الغامبية، وعُيِّن وزيراً للتعليم في الحكومة. غير أنه استقال من منصبه الوزاري في عام 1961م عندما اختارت الحكومة البريطانية زعيمًا حليفًا لها ومُنافسًا لـ"جاوارا" كرئيس الوزراء المؤقَّت في البلاد استعدادًا لانتخابات جديدة.

في عام 1962م، أصبح "جاوارا" رئيس وزراء غامبيا بعد فوز حزبه بالانتخابات العامة، ولكن التحديات التي عاينها من مختلف المجالات هائلة وكبيرة؛ فلم يكن هناك سوى 80 مدرسة وقتذاك في كل غامبيا مع ما مجموعه 13,000 طالب فقط؛ ولم تُستغلَّ الفرص التي أتاحها اقتصاد البلاد القائم على الزراعة أو حتى توسيعها إلى محاصيل مختلفة أخرى، كما أن الأرباح من صناعة السياحة لا تخدم سوى مجموعة معينة من سكان البلاد.

وكان هناك توقعات من الغامبيين بأن الخدمات الاجتماعية في البلاد ستتطور فور تحقيق الاستقلال، ما أدّى إلى تحذير "جاوارا" لشعبه من توقّع حدوث المعجزات, حيث قال:
"الاستقلال ليس وصفة سحرية من شأنها أن تُحوِّل المكسرات إلى الماس".

وشدّد "جاورار" عشيّة استقلال بلاده أنه على الرغم من التحديات الموجودة أمامه وأمام شعب غامبيا, إلا
"أن غامبيا حتى كدولة صغيرةٍ قادرةٌ على أن توضح لبقية العالم كيف يمكن لمجموعة من الناس ذوي الأصول والخلفيات العرقية المختلفة أن يعيشوا معًا في سلام ووئام."

في عام 1965م، قاد "داودا جاوارا" بلاده إلى الاستقلال، وأصبح حزبه قوة سياسية مهيمنة. وكانت غامبيا تحت قيادته من الديمقراطيات البرلمانية القليلة الناجحة في إفريقيا؛ إذ فاز "حزب الشعب التقدمي" الحاكم بستة انتخابات متتالية (في كلٍّ من العام 1966، 1972، 1977، 1982، 1987، 1992م) في أجواء حرَّة وظروف انتخابية نزيهة.

وانتُخب "جاوارا" أول رئيس للجمهورية الغامبية من عام 1970م عندما تبنَّت البلاد دستورًا جمهوريًّا حلَّ محل الملكية السابقة تحت السيادة البريطانية. ونجا "جاوارا" من محاولة انقلاب عام 1981م بمساعدة من دولة السنغال المجاورة التي اتفقتْ مع غامبيا على تشكيل كونفدرالية "سينيغامبيا" من عام 1981 إلى عام 1989م.

الإطاحة به من الحكم وأواخر حياته

وعلى الرغم من إنجازات "جاوارا" خلال فترة حكمه، فقد وُجِّهت إليه انتقادات بسبب انتشار المحسوبية والفساد في البلاد. وساعد هذا الرأي السائد في فتح الباب أمام انقلاب عسكري عام 1994م أُطيح بـ"جاوارا" من خلاله من الحكم بقيادة النقيب "يحيى جامع" الذي قاد البلاد من عام 1994 حتى عام 2017م. ومُنح "جاوارا" وعائلته حقّ اللجوء فى السنغال كما عاشوا لاحقًا في المنفى في لندن.

في أواخر عام 2001م، أصدر الرئيس الغامبي "يحيى جامع" عفوًا رئاسيًّا لـ "جاوارا"، وعاد إلى غامبيا عام 2002م بشرط أن لا يشارك في السياسة الوطنية. ومع ذلك، فقد كان نَشِطًا في الشؤون الإقليمية من خلال عمله مع "الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" (ECOWAS)، وأدَّى خلع "يحيى جامع" عام 2017م من المنصب الرئاسي إلى عودة اسم "جاوارا" إلى الساحة السياسية وارتفاع أسهمه وذاعت شهرته مرة أخرى في البلاد.

وحول وفاته، أشاد رئيس غامبيا الحالي "آداما بارو" -في بيانٍ– بجهود الحاج "داودا جاوارا"، وبدوره في بناء ونهضة غامبيا، وأشار إلى أنه كان مشهورًا باسم "كَيْرابا جاوارا"، أو "جاوارا المُسَالم الهادئ"، وأنه "بطل السلام الدولي والعدالة وحقوق الإنسان".

ـــــــــــــ

نشرتُ المقال أيضا في دورية قراءات إفريقية.

الأحد، 18 أغسطس 2019

العنصرية "العلمية".. والمؤسسات الأكاديمية في أفريقيا

أغسطس 18, 2019
العنصرية "العلمية".. والمؤسسات الأكاديمية في أفريقيا
يتذمر الأكاديمي الأجنبي - ومن على منهجه من المثقفين الأفارقة - عندما يحلّل مثقّف آخر جذورَ الأزمات السياسية والتحديات التنموية في دول أفريقية من منظور تركات الكولونيالية والاستراتيجيات النيو-كولونيالية في تلك الدول؛ لأن هؤلاء الأكاديميين يرون أنّ الحوارات حول أفريقيا المعاصرة يجب أن تكون تقدّمية؛ ويجب أن يركز السياسيون والمثقفون الأفارقة على التجارة وريادة الأعمال وتوسيع الأسواق والاستثمار الأجنبي والديناميكية التجارية والثقافية الثريّة في دول القارة - لأن أفريقيا بهذا المنطلق فقط تستطيع مواجهة المستقبل.

أو بعبارة أخرى: كفّوا عن لوم الكولونياليين على مشاكلكم؛ لأنّ الدول الأوروبية التي "استعمرتْكم" قد تجاوزتْ هذا الطور من تاريخها.

إنّ هذا المنهج أو المنطلق التقدميّ يحمل في طيّاته خصائص وأساليب قد تساهم في تحرير روح وخيال القارة من ثقل تاريخها وتركات الكولونيالية - أو "الاستعمار" إن صحّ التعبير. ويجب للمثقفين وصناع القرار الأفارقة دراسة هذا المنطلق والاستفادة منه في مساعيهم لتحقيق النهضة الإفريقية([1]). ومع ذلك، فإنّ هذا من الصعب تبنّيه على عمومه في ظلّ نظرة أوروبا الحالية تجاه أفريقيا؛ والتي قد تبدو إيجابية.. النظرة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ أوروبا في أفريقيا. والتاريخ لا يمكن إعادة ضبطه أو إصلاح أخطائه بسهولة.

والأدهى من ذلك أنّ أوروبا قد أسسّت لنفسها مسلكًا آخر نجحتْ فيه نسبيًّا، وتنظر إلى أفريقيا عبره منذ القرن الثامن عشر، وتوجد بصماته حتى الآن في مختلف المؤسسات الإفريقية، وهو: استغلال العلوم الطبيعية والاجتماعية لتشويه الشعوب "المستعمَرة" وسرقة تراثهم ومعارِفهم الثقافية، وتوجيه البحوث العلمية نحو تبرير الكولونيالية وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية. وتؤشر على هذا أيضًا سياسات أوروبا الاقتصادية تجاه أفريقيا، وردود أفعال أنظمتها السياسية في حال اتخاذ الدول الإفريقية قرارات مستقلّة عن أوروبا، أو دون إذنها.

وعلى سبيل المثال: ألقى الطبيب البريطاني "رونالد روس" محاضرةً في ديسمبر عام 1899م حول تجربته في سيراليون التي زارها من أجل إيجاد العلاج للملاريا التي قتلت الكثير من الكولونياليين الإنجليز. وقد جاء في تقرير حول محاضرته أنه قال:
"في القرن القادم، سيعتمد نجاح الإمبريالية إلى حدٍّ كبيرٍ على النجاح مع الميكروسكوب (أو المجهر)"([2])؛

فـ "روس" -الذي كان ابنًا بارًّا للإمبراطورية البريطانية، وفاز بجائزة نوبل للطب لأبحاثه في مجال الملاريا- يلخّص هنا تلك العلاقة الوثيقة بين مزاعم جهود العلماء الأوروبيين في إنقاذ "المستعمَرين" ومسابقة بلدانهم في غزو العالم. كما يؤكد أن اكتشافه -الذي كان عبر استخدام المجهر لتحديد كيفية انتقال الملاريا- سيضمن صحة القوات البريطانية والمسؤولين في المناطق الاستوائية، وبالتالي ستتمكن بريطانيا من توسيع دائرة حكمها وإمبراطوريتها.

وفي السياق نفسه؛ كشفتْ صوتية تعود إلى أكتوبر عام 1971م لمحادثة مسجّلة بين الرئيس الأمريكي السابق "ريتشارد نيكسون" و"رونالد ريغان" (حاكِم كاليفورنيا آنذاك ورئيس أمريكا فيما بعدُ) عن كيفية تفكير الرؤساء الأمريكيين عندما يتعلق الأمر بالاستقلالية الإفريقية في اتخاذ القرارات. ففي الصوتية ([3]) وصف "رونالد ريغان" مندوبي الدول الأفريقية إلى الأمم المتحدة الأمريكية بعد أن وقفوا ضد الولايات المتحدة في تصويتٍ للاعتراف بجمهورية الصين الشعبية وطرد تايوان، قائلاً:
"قلتُ لك الليلة الماضية أن تُشاهد هذا الشيء على شاشة التلفزيون كما فعلتُ أنا.. لترى هؤلاء؛ هؤلاء القرود من تلك البلدان الإفريقية. اللعنة عليهم، ما زالوا غير مرتاحين لارتداء أحذية!".

ضحك الرئيس "نيكسون" على ما قاله "ريغان" – وفق ما كتبه "تيم نفتالي" المدير السابق لمكتبة "نيكسون" الرئاسية، لكن تلك المحادثة أيضًا زادت من غضب "نيكسون" تجاه الأفارقة، وساعدته في تشكيل وجهات نظرٍ غير عادلة تجاه "السود" ([4]). بل على الرغم من أنّ وزارة الخارجية الأمريكية ألقتْ لوم خسارة أمريكا في ذلك التصويت على عوامل أخرى غير الموقف الأفريقي -بما في ذلك المناورة التي قامت بها بريطانيا وفرنسا والدول العربية والدول الاسكندنافية وراء الكواليس([5])- إلّا أنّ "نيكسون" أصرّ على تحميل الأفارقة مسؤولية الخسارة.
أما عن السياسات الاقتصادية الأوروبية تجاه أفريقيا، فإن قضية عملة "فرنك سفا" الأفريقي تكفي خير دليل([6])؛ حيث تسيطر فرنسا على 50% من احتياطيات النقد الأجنبي للدول الإفريقية التي تستخدم العملة بدعوى ضمان استقرار العملة. بالإضافة إلى اتفاقية " قانون النمو والفرص في أفريقيا" (AGOA) التي أشبه ما تكون بأداة كولونيالية لإخضاع الدول الإفريقية للحكم الإمبريالي الأمريكي([7])، الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر في وطنيّة النخبة الإفريقية الحاكمة التي وقّعت الاتفاقية، وجدّية مسؤولي القارة في الانعتاق من السيطرة الأوروبية.

العنصرية "العلمية" لإبقاء الحالة الاجتماعية القائمة

يرى الكُتّاب السياسيون أنّ لتقلّد الزعماء من اليمين المتطرف على مناصب رئاسية وقيادية في أوروبا دورًا رئيسيًّا في عودة العنصرية "العلمية" (scientific racism) من جديد، غير أنّ العالم السياسي "إدوارد بورميلا" يذهب إلى أنّ "العنصرية العلمية لم تَعُدْ – لأنها لم تختفِ أصلاً"([8]). فغاية ما في الأمر أنّ انتخاب "دونالد ترامب" رئيسًا للولايات المتحدة وتعيين "بوريس جونسون" رئيس وزراء المملكة المتحدة قد شجّعَا مؤيديهم – حتى في المجالات العلمية – على الخروج علنًا ببحوث علمية مزعومة لتأييد مواقفهم وأفكارهم.

[caption id="attachment_1295" align="alignleft" width="181"] صورة من كتاب "أنواع الجنس البشري" لـ "جوشيا س. نوت" و "جورج غليدون" (1854). استخدمت الصورة أو الرسومات في الصفحة 457 لتوضيح أنه "لا يمكن التأكيد بعقلانية، أن أورنج أوتان و شمبانزي مفصولان بشكل واسع عن بعض الزنوج والأفارقة من المحيط أكثر من الأخيرين من أنواع توتوني أو بيلاسجيك". فقد أراد نوت و غليدون هنا استخدام التقنيات العلمية والتوثيق التاريخي لإثبات وتعزيز التفوق العنصري.[/caption]

وترجع الأسس الفلسفية للعنصرية "العلمية" إلى " تشارلز داروين" الذي مهّد الطريق أمام دراسات التفوق والدونية بين العِرْق، ومنحها الشرعية "العلمية" بنشر كتابه "أصل الأنواع" عام 1859م، و "هربرت سبنسر" في كتابه "مبادئ علم الأحياء" عام 1864م. إضافة إلى حركة "اختبار الذكاء" التي قادها " فرانسيس غالتون" و "ألفريد بينيت”، ودراسات العرق والذكاء لـ "آرثر جينسين" و "ريتشارد هيرنشتاين" و "تشارلز موراي".

ويمكن تعريف العنصرية "العلمية" بأنّها  أيّ حجة تعتمد على أفكار مزعومة أو استنتاجات غير منطقية - سواء في علم الوراثة أو فراسة الدماغ - لإثبات دونية بعض الجماعات العرقية بشكل طبيعي وتفوّق غيرها عليها([9]).

وإذ نشأ هذا النوع من العنصرية الممنهجة أثناء توسع المذهب التجاري (المركنتلية) وصعود الإمبريالية في القرن الثامن عشر ([10])، فقد أشار "ماريا كاستاغنيا" و"جورج سيفا داي" إلى أنّ "البيض ابتكروا علومًا مختلفة"، ونظريات علمية خالية من الملاحظة الموضوعية لإثبات أن الأشخاص المظلومين أقل شأنًا و"لتبرير النظام الاجتماعي القائم وإضفاء الشرعية عليه للمحافظة عليه"([11]). ولذلك موّلت الأنظمة والقوى الكولونيالية مثل هذه الدراسات وجذبت حتى انتباه رؤساء وزعماء سياسيين في الولايات المتحدة من حين لآخر لإيجاد أدلة "علمية" ([12]) تبرّر الاسترقاق وتبرهن دونية الأمريكيين "السود"، وتسهّل سنّ السياسات الاجتماعية على أساس سيادة "البيض" ([13]).

فلم تكن النتيجة فقط أن أوجدت الأنظمة الكولونيالية - التي روّجتْ إثباتَ تفوق أوروبا وأمريكا "البيضاء" على الأفارقة والأمريكيين الأصليين والآسيويين والأمريكيين اللاتينيين - حربًا شعواء ذات مزايا رأسمالية وإمبريالية، بل خلّفت سلسلة كثيرة من الحوادث المحزنة والجرائم اللاإنسانية للأشخاص الذين وقعوا تحت سيطرتهم. فالمكتبات الأمريكية اليوم تشمل تقارير ورسائل الأفارقة الذين سِيقُوا كرهًا من أراضيهم أرقّاء وعُومِلُوا أسوأ معاملة على أيدي "أسيادهم" الظالمين في مزارعهم.

جدير بالذكر أنّ التاريخ الأوروبي يشمل انتشار "حديقة الحيوان البشرية": سافر أوروبيون إلى أفريقيا واختطفوا أناسًا أبرياء؛ لأنّ ثقافتهم "غريبة" أو فيهم خصائص وصفات معيَّنة –كانت مهمة لهم- وأخذوهم إلى أوروبا لعرضهم في حدائق الحيوان ([14]). وإذ أطلق هؤلاء الأوروبيون عليهم أثناء العرض اسم "الوحوش المتوحشة" أو "فضول الحيوانات الغريبة"، فإن هذه الحدائق تسمى من قبل أصحابها "أقسام الأنثروبولوجيا".

[caption id="attachment_1296" align="alignleft" width="300"] قرية سنغالية أقيمت داخل حديقة حيوان بشرية في المعرض العالمي في بروكسل - ببلجيكا عام 1958.
مصدر الصورة: مكتبة نيويورك العامة[/caption]

وساعدت الدراسات "العلمية" و"الطبية" التي أُجْريت على الأفارقة في أوائل القرن العشرين في إقناع الرأي العام في مجتمعات "البيض" بأن الشعوب الأفريقية ليسوا بشرًا مثلهم. بل في عام 1791م اضطرّ "توماس جيفرسون" –الذي مارس بدوره مهنة الاسترقاق، وشغل منصب الرئيس الثالث للولايات المتحدة– إلى الاعتراف بغطرسةٍ عن "جهله" ذكاءَ "السود" وإعادة تقييم شكوكه السابقة حولهم وقدراتهم العلمية والمعرفية، وذلك بعدما وصلتْه رسالة وروزنامة تقويمٍ من "بنيامين بانكر" - عالم رياضيات "أسود" مثقّف ([15]).

وفى حال محاولة "العبيد" للفرار من الأَسْر أو خروج الطبقة المظلومة من الحالة الاجتماعية السيِّئة، فالأطباء يصفون محاولاتهم على أنها "مرضٌ" غامض مزمن يصيب "العبيد" في العقول لسنوات، ويؤدي بهم إلى الفرار من المزارع: ففي 12 مارس من عام 1851م، أبلغ الطبيب "صامويل كارترايت" الجمعيةَ الطبية في لويزيانا أنه قد تعرّف على هذا المرض وأطلق عليه "درابيتومانيا" – وهو اسم مركّب من مصطلحَين يونانيين: " Drapetes" الذي يعني الهارب أو الآسر، و " mania" الذي يعني الجنون ([16]).

وعلى هذا المنوال نسج كُتّابٌ وباحثون آخرون أعمالهم التي صدرت في القرن الحادي والعشرين، بمن فيهم الكاتب والصحفي البريطاني "نيكولاس واد" الذي ادَّعى في كتابه الصادر عام 2014م بعنوان "ميراث مزعج" ([17]) أن للجماعات العرقية استعدادًا وراثيًّا لأنواع معينة من المهارات العقلية تطوَّرَ بعضها على مدى مئات السنين الماضية. ونتيجة لذلك، تكون بعض الأعراق أكثر إبداعًا أو ذكاءً من غيرها؛ فالصينيون أكثر عرضة للطاعة والخضوع، وأفراد المجتمعات الإفريقية متهورون وسريعون في استهلاك كل ما لديهم. بينما يُتقن الأوروبيّون كيفية الازدهار ويملكون مهارات التطوّر بسبب طبيعتهم المدروسة وتفكيرهم المتقدّم ([18]) – وكأن "واد" في ادّعاءاته يتناسى حقيقة أن ازدهار أوروبا الحالي قائم على إفقار شعوب بلدان أخرى وسرقة مواردهم منذ قرون، وإخضاع هذه البلدان تحت السيطرة عبر منظمات وهيئات دولية بسياسيات اقتصادية صارمة، أو تحت مسمى المِنَح الاقتصادية والمساعدات الإنسانية.

المؤسسات الأكاديمية الأفريقية والترويج للعنصرية "العلمية"

على الرغم من كثرة الدراسات حول أكاذيب العنصريين المتستّرين تحت رداءات العلم ([19]), وانتشار المشاريع البحثية التي دحضت استنتاجات أصحابها وما وراءها من نوايا دفينة([20])، ورغم أن علم الحمض النووي الحديث قد أثبتَ أنّ العرق بناء اجتماعي في الأساس؛ لأن جميع البشر يشتركون فيما بينهم بحوالي 99.9 في المئة من حمضهم النووي؛ حيث الخصائص الفيزيائية الخارجية -كنسيج الشَّعر ولون البشرة- التي احتجّ بها العنصريون منذ فترة طويلة لم تكن سوى جزءٍ صغير فقط من الجينوم (أو المجموع المورثي) البشري([21])، فقد شهدنا مؤخرًا باحثين من مؤسسات أكاديمية داخل أفريقيا يحطّون من قدرة الأفارقة وقيمتهم تحت غطاء البحوث "العلمية المحكّمة".

ففي شهر مارس 2019، نشر باحثان من جامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا وجامعة كنشاسا في الكونغو الديمقراطية دراسةً في مجلة "الاقتصاد متعدد التخصصات"، أظهرا فيها أن سكان البلدان ذات معدل الذكاء المنخفض أكثرُ عرضة للاسترقاق "وللبَيعِ كعبيد" بين القرنين الخامس عشر والعشرين ([22]). وقد أثارت هذه الدراسة ضجَّة واسعة في الساحة الأكاديمية الأفريقية والدولية، ما أدَّى إلى استقالة أحد الباحثَيْن المشارك في إعداد الدراسة من منصبه كأستاذ مساعد بجامعة كيب تاون([23])، ولكنَّ المجلة رفضت سحب الدراسة كما طالب البعض.

وهناك ورقة أخرى من قبل خمس باحثات من جامعة ستيلينبوش بجنوب أفريقيا، بعنوان: "الآثار المرتبطة بالعمر والتعليم على الأداء المعرفي لدى نساء جنوب أفريقيا الملوّنات"([24]). ففئة "الملَّون" في جنوب أفريقيا من بقايا نظام الفصل العنصري وواحدة من الفئات العرقية الأربعة المعترف بها رسميًّا إلى جانب "الأبيض"، الهندي/الآسيوي، والإفريقي "الأسود". وقد نشرتْ الدراسة في مارس الماضي في مجلة "الشيخوخة وعلم النفس العصبي والمعرفة" بعد المراجعة والتقييم من قبل الباحثين النظراء، وادّعت المؤلفات بأن دراستهن أظهرت "انخفاض الأداء الإدراكي" في هذه المجموعة من النساء، ونسبْن ذلك إلى انخفاض مستويات التعليم وأنماط الحياة المحفوفة بالمخاطر.

وقد لاحظتْ "باربرا بوسويل" -الأستاذة المساعدة في اللغة الإنجليزية بجامعة كيب تاون– أثناء قراءتها للدراسة وجودَ مشاكل في التعبيرات اللغوية المستخدَمَة والمنهج العلمي المتّبع، فقدّمتْ هي وأكاديميون آخرون التماسًا للمجلة طالبوا فيه سحب الدراسة([25]). وقد جاء في الالتماس أنّ
"هذه المقالة نُشرت كدراسة علمية، ولكنها تعتمد على الصور النمطية الاستعمارية للنساء الأفريقيات والنساء "الملونات" الجنوب أفريقيات بوجهٍ خاص، كناقصات فكريًّا"... وتعتمد هذه الدراسة على منهجية وعلوم معيبة، وتُديم القوالب النمطية الضارة والعنصرية."

وبالفعل نجحوا في محاولتهم حيث وقّع الالتماس أكثر من 10،000 شخص، وسحبت المجلة تلك الدراسة في 2 من شهور مايو الماضي([26]).

إن السماح بنشر مثل هذه الدراسات يثير تساؤلات عن مدى أفريقية الجامعات والمؤسسات المراكز الأكاديمية بأفريقيا, وحقيقة مراجعة الأوراق البحثية مِن قِبَل النظراء الباحثين، وماهية عملية التحقّق المتّبعة مِن قِبَل المجلات العلمية الدولية قبل النشر. مع الإشارة إلى أنّ هناك شكاوى عن أن الخبراء والباحثين من الجامعات الإفريقية قلَّما يُعطون فرصًا أو مقاعد للمشاركة في مراجعة البحوث العلمية والدراسات المتعلقة بأفريقيا. إضافة إلى أن هناك تقارير أخرى سلّطت الضوء على استغلال الباحثين الأوروبيين للباحثين بجامعات أفريقية حيث يُطلب منهم القيام بأكبر الأعمال في المشاريع البحثية، ولكنَّ أسماءهم أو جهودهم غير مذكورة في تلك البحوث.

وبالنسبة للعنصرية "العلمية"، فإنَّ مكافحتها لا تقع فقط على إعادة النظر في السياسات الوطنية المختلفة بالدول الإفريقية، بل أيضًا تتطلب إعادة كتابة التاريخ الأفريقي بأيادٍ أفريقية، وتصفية العلوم من "الاستعمار الأوروبي" ومزاعم التفوق الثقافي الأوروبي، وإبراز مساهمة الشعوب الأخرى في العلوم والحضارة، إضافة إلى دحض أيديولوجيات إمبريالية أو أفكار مسؤولي الحكومات ما بعد الكولونيالية.

__________
[1] - نجم الدين, نجم الدين (2018م). تصفية استعمار العقل.. التعليم والأدب واللغات الإفريقية. مقال متاح على الرابط التالي http://najimdeen.com/ar/decolonizing-the-mind-african-education-literature-languages/  (اطلع عليه في 8/1/2018م).


[2] - American Association for the Advancement of Science. (1900). THE MALARIA EXPEDITION TO WEST AFRICA. Science, 11(262), 36-37.
[3] - Naftali, T. (2019). Ronald Reagan’s Long-Hidden Racist Conversation with Richard Nixon. The Atlantic Magazine, Retrieved fromhttps://www.theatlantic.com/ideas/archive/2019/07/ronald-reagans-racist-conversation-richard-nixon/595102/ (Last visited 8/1/2019)
[4] - المصدر السابق.
[5] - Office of the Historian (1971). FOREIGN RELATIONS OF THE UNITED STATES, 1969–1976, VOLUME V, UNITED NATIONS, 1969–1972. Retrieved fromhttps://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v05/d429


[6] - نجم الدين, حكيم (2019). "إيكو" (Eco).. العملة الموحدة لدول "إيكواس". رابط المقالhttps://tinyurl.com/y23og5fo (آخر الزيارة 8/1/2019).


[7] - Rajni Lallah (2003). “africa: AGOA - an instrument of the US ruling class”, Pambazuka, from https://www.pambazuka.org/governance/africa-agoa-instrument-us-ruling-class (Last visited: 7/1/2019).
[8] - Edward Burmila (2018), “Scientific Racism Isn’t ‘Back’: It Never Went Away,” The Nation, Retrieved from https://www.thenation.com/article/scientific-racism-isnt-back-it-never-went-away/ (Last visited 7/1/2019)
[9] - Annalee Newitz (2014). The 9 Most Influential Works of Scientific Racism, Ranked. Retrieved from https://io9.gizmodo.com/the-9-most-influential-works-of-scientific-racism-rank-1575543279 (Last visited 8/1/19)
[10] - Watkins, W. (2009). “scientific” racism. In E. F. Provenzo & A. B. Provenzo (Eds.), Encyclopedia of the social and cultural foundations of education (pp. 691-692). Thousand Oaks, CA: SAGE Publications.
[11] - Castagna M, Sefa Dei GJ. An Historical Overview of the Application of the Race Concept in Social Practice. In: Calliste A, Sefa Dei GJ, editors. Anti-Racist Feminism: Critical Race and Gender Studies Halifax. Nova Scotia: Fernwood; 2000. pp. 19–37.
[12] - مصدر سابق: Watkins, W. (2009).
[13] - Garrod JZ. A brave old world: an analysis of scientific racism and BiDil. Mcgill J Med. 2006;9(1):54–60.
[14] - راجع:
- Qureshi, Sadiah (2004), 'Displaying Sara Baartman, the 'Hottentot Venus', History of Science 42:233-257
- Bergman, J. (2000). Ota benga: the pigmy put on display in a zoo. Journal of Creation, 14(1), 81Á90.
- Maggie Haynes (2018). Racism in Entertainment: Human Zoos. ESRI, retrieved fromhttps://www.arcgis.com/apps/MapJournal/index.html?appid=65ec52e5976044f88aac3d7a6fd1d900 (Last visited 8/1/2019)
[15] - Jefferson’s Letter to Benjamin Banneker, August 30, 1791. Original source: The Papers of Thomas Jefferson, vol 22, 6 August 1791 – 31 December 1791, ed. Charles T. Cullen. Princeton: Princeton University Press, 1986, pp. 49–54.)
[16] - Cartwright, Samuel A. (1851). "Diseases and Peculiarities of the Negro Race". DeBow's Review. XI. Retrieved from https://www.pbs.org/wgbh/aia/part4/4h3106t.html(Last visited 8/1/2019)
[17] - Wade, N. (2014). A troublesome inheritance: Genes, race and human history. Penguin.
[18] - Andrew Gelman (2014). The Paradox of Racism. Retrieved fromhttp://www.slate.com/articles/health_and_science/science/2014/05/troublesome_inheritance_critique_nicholas_wade_s_dated_assumptions_about.html(Last visited 8/1/2019)
[19] - Marks, J. (2017). Is science racist?. John Wiley & Sons.
[20] - Dennis, R. M. (1995). Social Darwinism, scientific racism, and the metaphysics of race. Journal of Negro Education, 243-252.
[21] - Collins, F. S., & Mansoura, M. K. (2001). The human genome project: revealing the shared inheritance of all humankind. Cancer: Interdisciplinary International Journal of the American Cancer Society, 91(S1), 221-225.
[22] - Asongu, S. A., & Kodila-Tedika, O. (2019). Intelligence and Slave Exports from Africa. Journal of Interdisciplinary Economics, 0260107919829963.
[23] - Bongekile Macupe (2019). Author of research linking slavery and intelligence resigns. Mail & Guidian, Retrieved from https://mg.co.za/article/2019-05-15-author-of-research-linking-slavery-and-intelligence-resigns (Last 8/1/2019)
[24] - Sharné Nieuwoudt, Kasha Elizabeth Dickie, Carla Coetsee, Louise Engelbrecht & Elmarie Terblanche (2019) RETRACTED ARTICLE: Age- and education-related effects on cognitive functioning in Colored South African women, Aging, Neuropsychology, and Cognition, DOI: 10.1080/13825585.2019.1598538
[25] - Barbara Boswell (n.d). Letter to the Editorial Board of Aging, Neuropsychology and Cognition. Retrieved from https://awethu.amandla.mobi/petitions/letter-to-the-editorial-board-of-aging-neuroshychology-and-cognition-1 (Last visited 8/1/2019)
[26] - Tandfo Online (2019). Statement of Retraction. Age- and education-related effects on cognitive functioning in Colored South African women by Sharné Nieuwoudt, Kasha Elizabeth Dickie, Carla Coetsee, Louise Engelbrecht & Elmarie Terblanche, Aging, Neuropsychology and Cognition, Retrieved fromhttps://www.tandfonline.com/doi/citedby/10.1080/13825585.2019.1598538 (Last visited 8/1/2019)

الأربعاء، 24 يوليو 2019

الفساد السياسي: "جاكوب زوما" وسيطرة عائلة "غوبتا" على جنوب أفريقيا

يوليو 24, 2019
الفساد السياسي: "جاكوب زوما" وسيطرة عائلة "غوبتا" على جنوب أفريقيا
طغتْ مرة أخرى أخبار "جاكوب زوما" - الرئيس الجنوب إفريقي السابق - على وسائل الإعلام بسبب تصريحاته المثيرة للجدل أثناء ظهوره للمرة الأولى أمام لجنة تحقيق قضائية حول التُّهَم ومزاعم الفساد السياسي التي وجَّهت إليه إبَّان حكمه للبلاد من مايو عام 2009 حتى فبراير 2018م.

وقد اشتهر هذا التحقيق باسم "السيطرة على الدولة" أو "State Capture" – وهو مصطلح أكاديمي يصف نوعا من أنواع الفساد في أيّ دولة, حيث تتعاون فيها الشركات والسيايون بهدف التأثير في عملية صنع القرار, وإضعاف قوانين الدولة وتحييد الوكالات التي تنفذ هذه القوانين لتعزيز مصالحهم الخاصة.

فـالسيطرة على دولة جنوب أفريقيا أدت عام 2018م إلى استقالة "جاكوب زوما" البالغ 77 عامًا من منصبه كرئيس لجنوب إفريقيا؛ بسبب الفضائح التي ابتُليت بها إدارته. وخلفه في المنصب الرئاسي نائبُه آنذاك؛ "سيريل رامافوسا" الذي وعد بمعالجة الفساد في البلاد، واصفًا السنوات التسع التي حكم فيها "زوما" بـ"الضياع".

وتتركز الاتهامات ضد "جاكوب زوما" على علاقته بعائلة "غوبتا" التي طالما أثارت أنشطتها التجارية جدلاً واسعًا في جميع البلاد، واتُّهِمت بالتأثير على تعيينات الحكومة، وشراء الفوز بمناقصات الدولة في عهد "جاكوب زوما". كما وُجِّهَت إليه تُهمة تلقّي رشاوى من شركة "بوساسا" اللوجستية المملوكة لعائلة "واتسون".

ونفى "زوما" -الذي هتف أنصاره عند دخوله مبنى التحقيق يوم الاثنين الماضي (15 يوليو) - كل الفضائح التي تلاحقه. وقال أمام اللجنة: إنه كان ضحية لـ "مؤامرة" وحملة تشهير وتشويه "تزعم أنه مَلك الفاسدين" في البلاد، وإن الهدف من كل ذلك إبعاده عن الساحة السياسية.

"لقد أُطلق عليَّ كل الأسماء ولم أردّ أبدًا لهذه القضايا"؛ هكذا قال "زوما" للجنة التحقيق التي يترأسها القاضي "راي زوندو".

 

عائلة "غوبتا" والسيطرة على دولة جنوب إفريقيا

هاجرت عائلة "غوبتا" من الهند إلى جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري؛ لتأسيس شركة "صحاري للكمبيوتر"، وأصبحت لها إمبراطورية تجارية تشمل شركات معدات الكمبيوتر، ووسائل الإعلام والتعدين، ما جعلها من أغنى العائلات بجنوب إفريقيا، وأبرز أفرادها: "أجاي"، "أتول" وراجيش توني غوبتا".

وبالنظر إلى ما كشفه التحقيق الحالي، تتعلق جُلّ التهم بعلاقة "زوما" مع "غوبتا"؛ حيث أصبحت العائلتان مرتبطتين ارتباطًا وثيقًا لدرجة أنه صِيغَ لهما مصطلح موحد -"عائلة زُوبْتَا أو Zuptas"؛ لقوة العلاقة بينهما، ولما تملكه "غوبتا" من مجموعة الشركات التي تمتَّعتْ بعقود مربحة مع الإدارات الحكومية والشركات التابعة للدولة في عهد "زوما" بجنوب إفريقيا. إضافة إلى أن شركات عائلة "غوبتا" وظَّفت العديد من أفراد أسرة "زوما" -بما فيهم نجله "دودوزان"- في مناصب عليا.

وإذ أفادت شهادة لجنة التحقيق أن عائلة "غوبتا" بذلت جهودًا كبيرة للتأثير على دولة جنوب إفريقيا؛ فقد اعترف المسؤولون الحكوميون من وكالات حكومية مختلفة بأنهم تلقوا تعليمات مباشرة من "غوبتا" لاتخاذ القرارات التي من شأنها تعزيز المصالح التجارية للعائلة. وفي المقابل تكافئ العائلة امتثال المسؤولين بأوامرهم بمبالغ مالية وترقية لمناصب، بينما يُفصَل عن العمل مَن عارض أوامرهم ورفَض تطبيق قراراتهم.

 

"زوما" ونفي الاتهامات

لقد واجه الرئيس السابق "جاكوب زوما" وقت استقالته من رئاسة البلاد عددًا من التُّهَم المتعلِّقة بالفساد والاحتيال، وغسيل الأموال، والابتزاز فيما يتعلق بصفقة أسلحة. وبالتالي لم يكن شخصًا جديدًا على التحقيق والمحاكمة.

وعلى الرغم من الاهتمام الوطني الذي جذَبه الفساد السياسي في التحقيق الحالي، إلا أنّ "زوما" الذي ورد اسمه كشخصية رئيسية في عددٍ من الفضائح التي شغلت الرأي العام على مدار عدة سنوات، قد نفى يوم الاثنين الماضي كل ما وُجِّه له.

وأوضح "زوما" أنه التقى بالعائلة للمرة الأولى عندما كان نائبًا للرئيس السابق "ثابو امبيكي"، عن طريق وزير الرئاسة السابق "إيسوب باهاد". وأصرَّ على أنّ علاقته مع "غوبتا" ليست سوى الصداقة؛ لأنها عائلة "ودودة للغاية"، وأنه في ذلك كغيره من شخصيات داخل حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي" الحاكم الذين تربطهم علاقات الصداقة مع العائلة.

"لم أقمْ بشيء غير قانونيّ. لقد ظلوا مجرد أصدقاء؛ لأنهم كانوا أصدقاء للجميع.. لقد وجدتُهم عائلة ودودة للغاية. عرفوا الكثير من الرفاق واكتشفتُ فيما بعد أنهم في الحقيقة كانوا مقربين من نيلسون مانديلا. وعندما رَحِل مانديلا، كانوا أصدقاء مع ثابو مبيكي"؛ هكذا قال "زوما" للجنة التحقيق؛ إذ أبدى استغرابه مما يثيره الناس حول علاقته مع عائلة "غوبتا"، بينما يتغاضون عن علاقة الرؤساء السابقين بالعائلة نفسها.

وتصدرت مرة أخرى قضية الطائرة التي حملتْ أفراد وأصدقاء "غوبتا" عام 2015م من الهند إلى جنوب إفريقيا، وهبطتْ في قاعدة "ووتركلوف" الجوية؛ ما يعني دخولهم لجنوب إفريقيا دون التصريح أو المرور عبر القنوات والبوابات الرسمية للتحقيق عن هوياتهم. وقد اعترف "بروس كولوان" -رئيس بروتوكول الدولة السابق - باستخدام اسم "زوما" للضغط على مسؤولي وزارة الدفاع للسماح للطابرة بالهبوط في تلك القاعدة العسكرية.

وقال الرئيس الجنوب إفريقي السابق "جاكوب زوما": إنه تم تأسيس صحيفة "New Age" في عام 2015م وقناة "ANN7" في عام 2013م -المملوكتين لعائلة "غوبتا"- لتقديم "صوت بديل" في صناعة الإعلام بالبلاد. وأكّد أنه من اقترح إنشاء المؤسستين الإعلاميتين "لأننا رفاق ونحن بحاجة إلى صوت بديل. لقد كانت هناك محاولات عديدة سابقة بُذلت من قبل التقدميين (لإنشاء المؤسسات الإعلامية)، ولكنها لم تنجح".

وفي قضية أخرى مرتبطة بقناة ANN7؛ اعترف "راجيش سوندارام" - المحرر السابق في القناة بأن "غوبتا" استغلّوا صداقتهم مع "زوما" في شراء مواد الأرشيف التاريخية -التي قدرت قيمتها بملايين الراند- من هيئة الإذاعة الجنوب إفريقية (SABC) بأقل من قيمة المواد. كما أن "زوما" يشارك في الإدارة اليومية للقناة.

ولعل ما جذب الانتباه في تصريحات "زوما" أنّ الوزير "فكيل مابلولا" قد أخبره ذات مرة أن رجل الأعمال "يوهان روبرت" هدّد بهدم الاقتصاد الجنوب إفريقي إذا تم طرد الوزير "برافين غوردهان" من الوزارة التي يترأسها في حكومة "زوما". الأمر الذي يعطي فكرة عن خلفيات إقالة "زوما" لـ "غوردهان" في عام 2017م، وطبيعة تفكير رجال الأعمال المسيطرين على اقتصاد الدولة.

واكتُشِف في عام 2017م أن شركة العلاقات العامة البريطانية "Bell Pottinger" بالنيابة عن شركةOakbay  المملوكة لعائلة "غوبيتا" قد تعمدت التلاعب وإثارة التوترات العرقية والكراهية العنصرية في جنوب إفريقيا، وروَّجت لفكرة كون البلاد "عاصمة احتكار بيضاء" باستخدام عدد كبير من الحسابات المزيفة على تويتر وغيره من المواقع عبر الإنترنت، كجزء من حملة الدعاية لتقديم Oakbay والشركات التابعة لها كضحايا في قضايا الفساد الموجهة إليها.

وفي العام نفسه فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي تحقيقًا مع "آشيش" و"أمول"، وهما أخوان من عائلة "غوبتا" ومواطنان أمريكيان؛ وذلك بسبب المدفوعات التي قبضاها من شركة مرتبطة بالعائلة في الإمارات العربية المتحدة. وبعد تنحّي "زوما" كرئيس لجنوب إفريقيا في فبراير 2018م، أعلنت سلطات جنوب إفريقيا أنّ "أجاي غوبتا" هاربٌ من العدالة؛ لعدم تسليم نفسه لسلطات البلاد.

 

"مؤامرة" ضده "زوما"؟

واستغل "زوما" منصة التحقيق معه لانتقاد خصومه ومنتقديه؛ إذ عبّر عن غضبه ووصف كل ما وُجِّهَ إليه بـ "مؤامرة" استمرت لعقود. بل وأشار ضمنيًّا إلى أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة كانتا ولا تزالان جزءًا من مؤامرة مفصلة لتشويه سمعته، حتى أثناء محاولته إدخال تغيير سياسي وإصلاح اقتصادي بلاده.

وادعى "زوما" أن الشاهِدِين ضدّه والمعترفين بضلوعه في الفضائح ضمن المتآمرين –بمن فيهم وزير الحكومة السابق "نغوا راماتلودي" الذي قدَّم أدلة دامغة ضد "زوما". كما أفاد بأن عملاء آخرين مدربين في الخارج قد حاولوا تسميمه– ولم يذكر أسماءهم.

غير أن "راماتلودي" الذي انتقده "زوما" قد نفى -في مقابلة مع شبكة News24 الجنوب إفريقية- أن يكون جاسوسًا. واقترح أن يخضع هو و"زوما" لاختبار الكشف عن الكذب لمعرفة المحقّ من الكاذب.

 

ما الذي يعنيه التحقيق لـ "زوما" ؟

من الواضح في التحقيق الجاري أنّ لرئيس جنوب إفريقيا السابق "جاكوب زوما" أنصارًا كثيرين من المواطنين رغم تقلُّص عددهم قبيل سقوطه عام 2018م، وأنّ شعبية لم تختفِ كما يصورها البعض.

ونقطة أخرى -أشارت إليها "بومزا فحلاني" الصحفية الجنوب إفريقية- ويمكن فهمها خلال شهادة "زوما" حتى الآن أمام لجنة التحقيق، مفادها أنه: إذا كانت كل هذه التحقيقات ستؤدي إلى سقوط "زوما" مرة أخرى، فلن يسقط "زوما" بمفرده، بل سيأخذ معه شخصيات أخرى؛ لأنه أثناء حديثه أمام لجنة التحقيق قد رسم صورة لمؤامرة مزعومة ضده يعود تاريخها إلى أكثر من عقدين.

"لقد أثاروا غضبي"؛ هكذا قال "جاكوب زوما" الذي هدّد بتسمية جواسيس مزعومين خذلوا النضال من أجل حرية السود في جنوب إفريقيا، والذين ما زالوا يتآمرون ضده. وقد يكون هذا بمثابة إنذار لأناسٍ معيّنين خَبِرهم "زوما" وعرف أسرارهم عندما كان رئيس الاستخبارات بالمؤتمر الوطني الإفريقي (ANC)؛ الحركة التي كانت في السلطة منذ نهاية حكم الفصل العنصري عام 1994م.

ـــــــــــــ

ملاحظة: نشرتُ هذا المقال أيضا في دورية قراءات إفريقية.

الثلاثاء، 2 يوليو 2019

ما الذي تعرفه عن (Eco), العملة الموحدة الجديدة من الايكواس؟

يوليو 02, 2019
ما الذي تعرفه عن (Eco), العملة الموحدة الجديدة من الايكواس؟
صرَّحت "المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" المعروفة بـ الإيكواس (ECOWAS)، يوم الأحد الماضي في بيانٍ لها بأنها وافقتْ على اسم "ECO" للعملة الموحدة المراد استخدامها للدول الأعضاء في الكتلة، وأنها تبنَّت أيضًا نظام سعر صرفٍ مرنٍ للعملة. وهذا يصبُّ في صالح خطط زعماء القارة لتحقيق التكامل في إفريقيا.

وستعمل الإيكواس مع "وكالة غرب إفريقيا النقدية" (WAMA) و"المعهد النقدي لغرب إفريقيا" (WAMI) والبنوك المركزية في الدول الأعضاء لتسريع تنفيذ خارطة الطريق نحو العملة الموحدة. وستعرض هذه الخارطة في الاجتماع العادي المقبل للكتلة.

وتعني هذه الخطوة -نحو تبنّي عملة "eco" الموحدة- أنه يجب على دول الإيكواس التي تستخدم عملاتها الخاصة - كنيجيريا وغانا وغينيا وليبيريا – وضع خطة لترك عملاتها وتبنّي "eco". بينما ستلغي دول الكتلة الناطقة بالفرنسية استخدام "فرنك سفا" أو الفرنك الإفريقي المشتركة فيما بينها والتي دائمًا ما تُنتقد لجذورها الكولونيالية الفرنسية.

عملة "eco": خلفية موجزة


تأسست "المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" أو الإيكواس عام 1975م، وتضم اليوم كلاً من: بنين، بوركينا فاسو، الرأس الأخضر (كيب فيردي)، غامبيا، غانا، غينيا (كوناكري)، غينيا بيساو، ساحل العاج، ليبيريا، مالي، النيجر، نيجيريا، السنغال، سيراليون وتوغو. وتمثل الهيئة مجموع السكان من حوالي 385 مليون نسمة.

[caption id="attachment_1278" width="300" align="alignright"] جواز السفر النيجيري الصادر من الايكواس.[/caption]

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تتوحد فيها الدول الأعضاء على مشروع؛ حيث تشترك عدة دول من الكتلة في جواز سفر موحّد شهير بـ ECOWAS Passport والذي أُطلق في ديسمبر 2000 لإعفاء حامليه من متطلبات التأشيرة داخل دول الهيئة، وليكون وثيقة سفر دولية. فجواز الإيكواس لا يحمل تصميمًا موحّدًا فقط، بل يتيح لمواطني الدول الأعضاء في الإيكواس حرية التنقل داخل المنطقة لفترات لا تزيد عن 90 يومًا دون تأشيرة.

وإذ يعني ما سبق أن لعملة "eco" الموحدة أرضية تستند عليها في المنطقة؛ فقد اقترن اقتراح مشروع العملة بإعلان مشروع جواز السفر الموحد في ديسمبر 2000م، وتأسيس "المنطقة النقدية لغرب إفريقيا" (WAMZ)، وهي مجموعة فرعية تتكون من 6 دول داخل الإيكواس، وهي: نيجيريا وغانا وغامبيا وغينيا وسيراليون وليبيريا، وذلك بغرض إدخال "eco" في إطار "المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" (ECOWAS)، ودمج العملة في وقت لاحق مع عملة "فرنك سفا" الخاصة بغرب إفريقيا (يستخدمها الأعضاء الناطقون بالفرنسية في الإيكواس). مما سيؤدي في النهاية إلى إيجاد عملة واحدة مشتركة لمعظم بلدان غرب إفريقيا.

في عام 2001م، أُسّس "المعهد النقدي لغرب إفريقيا" (WAMI) ومقره في أكرا بغانا، لكي يكون منظمة مؤقتة تحضيرًا لإنشاء "البنك المركزي لغرب إفريقيا" في المستقبل. وكانت وظيفة المعهد النقدي وتنظيمه مستوحاة من "معهد النقد الأوروبي"، ما يعني أنّ من وظائف "المعهد النقدي لغرب إفريقيا" توفير إطار عمل للبنوك المركزية في "المنطقة النقدية لغرب إفريقيا" (WAMZ) بدءًا بعملية التكامل والدخول في الاستعدادات الأولية لطباعة وسكّ النقد الورقي.

من حيث تقييمات الأداء، فإنَّ جهود البلدان الأعضاء في الإيكواس للوفاء بالمعايير المحددة قبل دخول "eco" حيز التنفيذ لا تزال ضئيلة؛ إذ وضع "المعهد النقدي لغرب إفريقيا" (WAMI) عشرة معايير للتقارب (أربعة معايير أساسية وستة معايير فرعية) يجب على جميع بلدان المجموعة الوفاء بها، لكن جميع البلدان الأعضاء -باستثناء دولة غانا– فشلت في تلبية كل هذه المعايير.

وقد أدرك "جان كلود برو"، رئيس لجنة الإيكواس أهمية هذه المعايير عندما قال: إن احترام الجدول الزمني لتنفيذ العملة الموحدة سيعتمد على الجهود التي تبذلها كل دولة في هذا المجال. وإن "الأداء من حيث تقارب الاقتصاد الكلي شرطٌ لا غنى عنه" بالنسبة للعملة الموحدة، مضيفًا أنه من الضروري "تعزيز آليات المراقبة المتعددة الأطراف". فالعملة الموحَّدة "ستأتي بالكثير إلى مدخراتنا. إنها فرصة للتكامل يجب للبلدان الإفريقية اغتنامها؛ لأن الأسواق مجزأة [حاليًا]".

ولتسريع تحقيق حلم العملة وتفادي الانتقادات الموجَّهة للإيكواس بعدم وجود رغبة حقيقية للمشروع وتقاعس دولها عن التكامل الاقتصادي الكامل؛ تبنَّى قادة الكتلة رسميًّا اسم "Eco" لمشروع العملة في يوم 29 يونيو 2019م بالعاصمة النيجيرية أبوجا، وحدّدوا يناير عام 2020م لبدء إصدارها.

كما حثَّت الإيكواس الدول الأعضاء على بذل "المزيد لتحسين أدائها" قبل الموعد النهائي لإصدار العملة، حيث من المنتظر أيضًا، من بين أمور أخرى، تحرير التجارة الإقليمية، وتوحيد الاتحاد الجمركي، وإنشاء منطقة تجارة حرة داخل الكتلة.

وأكّد محمد إيسوفو، رئيس النيجر والرئيس الحالي للإيكواس أن القادة قد أبدوا "إرادة سياسية حقيقية حازمة" لزيادة جهود بلدانهم قبل الموعد النهائي في يناير 2020م. وفي حدّ قوله:
"وجهة نظرنا أن الدول المستعدة ستبدأ استخدام العملة الموحدة والدول غير المستعدة ستنضم إلى البرنامج، بينما تفي بجميع معايير التقارب الستة".

بداية النهاية لـ"الفرنك الإفريقي" ؟


في الوقت الراهن تستخدم ثمانية بلدان من أعضاء الإيكواس -بنين وبوركينا فاسو وغينيا بيساو وساحل العاج ومالي والنيجر والسنغال وتوغو– عملة "الفرنك الإفريقي" أو "فرنك سفا" (C.F.A franc)، بينما تستخدم البلدان السبعة الأخرى عملاتها الخاصة.

[caption id="attachment_1279" width="300" align="alignright"] فئة 1000 من "الفرنك الأفريقي" الخاصة بغرب أفريقيا[/caption]

أنشأت فرنسا "فرنك سفا" عام 1945م وربطتها بـعملة "الفرنك" الفرنسية وقتذاك. واليوم توجد نسختان مختلفتان من العملة: "فرنك سفا" الخاصة بالاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (UEMOA) -وهي مجموعة فرعية تضم ثمانية بلدان أعضاء داخل الإيكواس، وأخرى للاتحاد النقدي والاقتصادي لوسط إفريقيا (CEMAC)– وهي كتلة تضم ستة بلدان في وسط إفريقيا.

وتعني اسم العملة (C.F.A franc) في الأصل "Colonies françaises d'Afrique" أي "فرنك المستعمرات الفرنسية في إفريقيا"، لكنَّ العملتين أُعيد تسميتهما لتعكسا استقلال دولهما، إلى (Communauté française d'Afrique) أي: "فرنك المجتمع الفرنسي في إفريقيا".

واليوم تمَّ ربط نسختَي "فرنك سفا" باليورو. وتَحتفظ فرنسا في خزنتها بـ 50 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي لدول "فرنك سفا" بدعوى ضمان العملة واستقرارها. كما تتمتع فرنسا بقدر كبير من السيطرة على العملة، بما في ذلك قرار تخفيض قيمتها في عام 1994م.

بل ويجلس المسؤولون الفرنسيون في مجالس ونقابات إدارة كلتا النسختين من العملة؛ الأمر الذي أدَّى إلى انتقادات واسعة واحتجاجات في دول إفريقية ناطقة بالفرنسية تصف "فرنك سفا" بأداة نيوكولونيالية تضع البلدان الإفريقية تحت سيطرة فرنسا دون حريّة التصرّف في عملتها.

وقد انضم الرئيس التشادي "إدريس ديبي" إلى الذين طالبوا بإعادة هيكلة "فرنك سفا"، وذلك خلال الاحتفال بعيد استقلال بلاده عام 2017م. في حين صرح "ندونغو سامبا سيلا" -الخبير الاقتصادي التنموي السنغالي الذي ألّف كتابًا عن تاريخ "فرنك سفا"- بأنّ العملة تسمح لفرنسا بمواصلة الإمبريالية النقدية في إفريقيا، كما أن الضمانة التي تساهم في استقرار العملة هي نفسها التي تَحُدّ من النمو في البلدان التي تستخدمها؛ لأن قيمة "فرنك سفا" مربوطة بعملة اليورو، بدلاً من أن تُحدّدها الأسواق الدولية.

ولذلك لقيت خطة إصدار عملة "eco" الجديدة المشتركة لدول غرب إفريقيا ترحيبًا في المنطقة وتأييدًا قويًّا في الدول الغرب إفريقية الناطقة بالفرنسية والتي تَستخدم "فرنك سفا"؛ حيث يرى منتقدو "فرنك سفا" أن عملة "eco" وسيلة للتحرر من الاعتماد المالي على فرنسا، وأنها قد تكون بداية النهاية لـ "فرنك سفا" في إفريقيا.

آراء الأفارقة في العملة


يرى "إتياني فاكابا"، الخبير الاقتصادي في مالي ومدير مركز البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية أنّ هناك فوائد لعملة "eco" في توسيع سوق الإيكواس؛ حيث العملة الموحدة ستؤدي إلى تحقيق وَفُورات في جميع المجالات عندما يتعلق الأمر بأسعار الصرف وتعزيز الوحدة. وفي حدّ قوله:
"في نهاية المطاف، سنتطوّر معًا كي نصبح كيانًا أقوى، بما في ذلك على المستوى الاقتصادي".

لكن بعض الاقتصاديين أشاروا أيضًا إلى صعوبة إقناع نيجيريا بالموافقة على الدخول في اتحاد نقديّ إذا لم تكن نيجيريا نفسها رئيسة الاتحاد؛ الأمر الذي جعل الاقتصادي السنغالي " ندونغو سامبا سيلا" يقول: "سيتم إطلاق (العملة) في فراغ".

ومما جعل نيجيريا تُشكك في جدوى العملة أن البلاد -التي يمثل اقتصادها ثلثي الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة- ستهيمن على أيّ منطقة نقدية مستقبلية في المشاركة فيها، وليس من الواضح ما إذا كان بإمكان الاقتصادات المتباينة ذات مستويات متفاوتة من الديون والعجز أن تتقاسم عملة واحدة بنجاح.

"يبلغ إجمالي الناتج المحلي لاقتصاد غينيا، على سبيل المثال، حوالي 7 مليارات دولار، وهذا أقل من اقتصاد ولاية آبيا التي تُعَدّ أكبر 13 ولاية نيجيرية، بقيمة 8.7 مليار دولار. هذا الاختلاف في الاقتصادات يجعل بالفعل سياسة معقولة موحدة مثل العملة التجارية صعبة للغاية"؛ هكذا قال المحلل الاقتصادي النيجيري "توكونبو أفيكويومي" لشبكة "سي إن إن".

وفي رأي "أندرو نيفين"، كبير الاقتصاديين في PwC West Africa: فإنّ
"(إصدار عملة موحدة) يبدو سابقًا لأوانه بعض الشيء؛ نظرًا لأن نيجيريا لم تُسجِّل حتى الآن للتكامل الإقليمي في الإيكواس".

ويشكّك الاقتصادي النيجيري "إيزي أونيكبير"، رئيس مركز العدالة الاجتماعية بأبوجا، في واقعية العملة الموحدة، وفي إمكانية أن تصبح حقيقة في المستقبل القريب. "النيجيريون لا يناقشون العملة. تسمع عنها أحيانًا بين النخبة فقط"، مضيفًا أنه "حتى يومنا هذا، تشعر بأننا (في غرب إفريقيا) نريد التمسك بعملاتنا: نايرا، وسيدي، وسفا".

ومما يُشَكِّك بعض الاقتصاديين الأفارقة في العملة الجديدة أنه لا توجد تفاصيل دقيقة وأجوبة شاملة لأسئلة مُلِحَّة حول المشروع. أو كما قال أونيكبير: "جميع القطاعات في جميع المجالات بحاجة إلى التعاون. ولا يمكنك تقديم عملة موحدة ما لم تكن لديك سياسات مالية وصناعية وتجارية وعُمالية موحدة".

ومع ذلك، يرى "سليمان جاميرو"، نائب وزير الإعلام في سيراليون، أن العملة الموحدة خطوةٌ إيجابيَّة وتحقيقٌ لحلم الآباء المؤسسين للإيكواس. ويتوقع قبول نيجيريا تناول العملة في حين صدورها، خصوصًا وأن نيجيريا تستخدم جواز سفر الإيكواس الموحَّد لكل مواطنيها منذ أكثر من عقد.

"على الرغم من حجم نيجيريا وعدد سكانها، فإنَّ البلاد مستعدة للغاية. نحن نعمل معًا"؛ هكذا قال جاميرو، وأضاف أنه "بعد كل شيء، تدور الإيكواس حول التكامل الاقتصادي الإقليمي، وفي النهاية لا يمكننا تحقيق هذا التكامل بدون العملة".

كما أكّد أفيكويومي "أن العملة الموحدة إذا نُفِّذَت بشكل صحيح ستُحسِّن التجارة من خلال السماح لدول محددة بالتركيز على ما يناسبها من التجارة، واستبدالها بسلع أخرى تنتجها بلدان أخرى بكفاءة في الكتلة".

ـــــــــــــــــ

تنبيه: نشرتُ هذا المقال أيضا في قراءات إفريقية.

الأحد، 23 يونيو 2019

محاولة الانقلاب الفاشلة بولاية أمهرا تؤشر الوضع السياسي في إثيوبيا

يونيو 23, 2019
محاولة الانقلاب الفاشلة بولاية أمهرا تؤشر الوضع السياسي في إثيوبيا
أعلنت الحكومة الإثيوبية إحباط محاولة انقلاب يوم السبت الماضي أسفرتْ عن مقتل العديد من كبار المسؤولين الحكوميين، ما يؤشر على طبيعة الأزمة الحالية والتحديات العميقة التي يواجهها رئيس الوزراء "أبي أحمد" منذ بدء برنامجه الإصلاحي الذي اكتسب ثناء العالم رغم إثارته للجدل.

لقد سعى "أبي أحمد" - وهو ضابط مخابرات سابق - منذ صعوده إلى السلطة العام الماضي بعد شهور من العنف والاضطراب السياسي، إلى تقديم ما يراه حلولا ضرورية لمشاكل نظام بلاده المنغلق ذي الحزب الواحد. وأطلق "أحمد" - كعلاج أولي - سراحَ سجناء سياسيين، وألغى الحظر المفروض على الأحزاب السياسية ودعا المعارضون للعودة والمشاركة في إثراء الأنشطة السياسية داخل البلاد.

وأخذت جرأة "أبي أحمد" منعطفا جديدا عندما حاكم المسؤولون المتهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وأعاد علاقات بلاده مع إريتريا المجاورة. كما وضع خطة بدأ تنفيذها تدريجيًّا لتحرير اقتصاد إثيوبيا - الخاضع لسيطرة مشددة وخصخصة الشركات المملوكة للدولة جزئيًا, بما في ذلك الخطوط الجوية الإثيوبية التي تُعدّ إحدى أسرع شركات الطيران نموًا في العالم, وذلك ليسهل للمستثمرين الدخول في السوق الإثيوبي ومشاركة القطاعات الخاصة في تطويره.

غير أنّ أجندة الإصلاح التي وضعها رئيس الوزراء خلقت أيضا أعداء أقوياء، بما في ذلك النخبة السياسية والاستخباراتية القديمة التي تهيمن على السلطة وتنظر إلى حكومة "أبي أحمد" كتهديد للقومية الإقليمية. ولعلّ إدراك "أحمد" نفسه لهذا الخطر أجبره على أن يُلقي عددا من خطبه خلف زجاج مضاد للرصاص بعد أن نجا من محاولة اغتيال في العام الماضي. وفي العام نفسه سار مئات الجنود إلى مكتبه للمطالبة بزيادة الأجور, وقال رئيس الوزراء إنها محاولة لاغتياله.

ويحظى "أبي أحمد" بتأييد النسبة الكبرى من الشعب الإثيوبي, كما أعرب المسؤولون في أوروبا والدبلوماسيون الغربيون في أديس أبابا عن دعمهم لإصلاحاته، لكن المراقبين يحذرون من الخطر المترتب على فتْح نظام إثيوبيا المنغلق, وأن خطوات "أبي" تشكل صدمة حقيقية لـ"الأقوياء" داخل النظام.

فشل المحاولة وهشاشة الحكومة الإثيوبية:


في يوم السبت الماضي بعد فترة وجيزة من التاسعة مساء بالتوقيت المحلي, شنّت "فرقة اغتيالات" هجوما منظّما على اجتماع تنفيذي لحكومة ولاية أمهرا الإقليمية في مدينة بحر دار. وقد قادت هذه العملية قائد الأمن الإقليمي الجنرال "أسامينو تسيجي" - المعروف بتشدّده في معارضة إصلاحات رئيس الوزراء "أبي أحمد", وقُتل إثرها كل من: "أمباتشو ميكونين", رئيس ولاية أمهرا وهو حليف رئيس الوزراء؛ و "جيز أبيرا"مستشار, رئيس الولاية.

"لقد أطلق عليه الرصاص من قبل أشخاص مقربين منه"؛ قال رئيس الوزراء "أبي أحمد" عن "أمباتشو" في خطاب متلفز يوم السبت.

وفي حادثة منفصلة - لكنها مترابطة مع حادثة أمهرا - في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قُتل "سايري ميكونين"، رئيس أركان قوات الأمن الإثيوبي, على يد حارسه الشخصي. كما قتل جنرال متقاعد آخر.

ووصف البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء "أبي أحمد" الحادث بأنه "محاولة انقلاب مدبرة" على القيادة التنفيذية لولاية أمهرا، وهي إقليم في الشمال يبلغ عدد سكانها 31 مليون نسمة. وأكد أن القوات الفيدرالية قد ألقت القبض على معظم الجناة.

"يجب لجميع الإثيوبيين إدانة هذه المحاولة غير القانونية"؛ هكذا قال "أبي أحمد" الذي ظهر في الخطاب المتلفز بخلفية ناصعة يبدو أنها لتجنب الكشف عن موقعه ومكان وجوده. وأضاف "لدى الحكومة الفيدرالية القدرة الكاملة للتغلب على هذه المجموعة المسلحة".

وتظهر المحاولة الانقلابية خطورة الأزمة السياسية وهشاشة الحكومة في إثيوبيا، الدولة الحيوية والاستراتيجية في شرق إفريقيا التي يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة، حيث أدت جهود "أحمد" - لتخفيف قبضة أسلافه الحديدية - إلى إطلاق موجة من الاضطرابات, والتي نزحت بسببها 2.4 مليون شخص - وفقًا للأمم المتحدة.

أسباب قد تكون وراء الحادثة:


قال السكرتير الصحفي لرئيس الوزراء، "نيغوسو تيلاهون", إن الجنرال "أسامنيو تسيجي" المتهم بمحاولة السيطرة على ولاية أمهرا قد قُتل بالرصاص أمس الاثنين بالقرب من بحر دار - عاصمة أمهرا. واعتُقل عدد من المتآمرين الآخرين.

يُذكر أنّ الجنرال "أسامنيو تسيجي" قائد الانقلاب قد سُجّن في السابق بسبب محاولة مماثلة للانقلاب. وكان "أبي أحمد" من أصدر أوامر العفو عنه في العام الماضي بعد مجيئه إلى رأس الحكومة.

"تم تنظيم محاولة الانقلاب والهجوم من قبل الجنرال أسامنيو تسيجي رئيس الأمن والسلام في أمهرا, مع عملاء آخرين"؛ هكذا قالت "بيليني سيوم" المتحدثة باسم الحكومة للصحافيين, وأضافت "لقد حصل هو وزملاؤه على العفو في العام الماضي من قبل الإدارة الجديدة وسط جهود لإعادة دمجهم في الحياة العادية".

وإذ لا يمكن حاليا التحديد بشكل دقيق أسباب محاولة "تسيجي" للانقلاب في أمهرا, إلا أنها قد تكون ردَّ فعلٍ منه على خطةٍ لمسؤولي الولاية الذين يناقشون في الاجتماع التنفيذي يوم السبت طريقة ردع "تسيجي" وكبح قوته, بعد أن شعروا بالقلق حيال تقارير عن خطابه الإثني وتجنيده للميليشيات.

وقبل ذلك بأسبوع، انتشر على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مرئية مثير للجدل ظهر فيها الجنرال "تسيجي" وهو ينصح سكان أمهرا علانية بتسليح أنفسهم.

وكانت ولاية أمهرا التي تجذرت فيها محاولة الانقلاب، مركزا سياسيًا وثقافيًا تقليديًا في إثيوبيا، وهي أيضا ثاني أكبر مناطق إثيوبيا اكتظاظا بالسكان, لكنها في العقود الأخيرة - بحسب سكانها - مُهمَّشة نسبيًا بينما أصبحت "تيغراي" المجاورة أكثر قوة ونفوذا.

ويعتبر "أبي أحمد" أول زعيم إثيوبي من الأورومو - أكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا التي شكت أيضا من إقصائها عن السلطة السياسية. وفي حين كان "أحمد" أصغر زعيم في أفريقيا البالغ 42 عاما - الذي اختِير بعد الاستياء من شكاوى هيمنة "تيغراي" - فقد كان وصوله إلى السلطة أولَ انتقال للقيادة في التاريخ الإثيوبي لم يكن بسسب الثورة أو وفاة قائد سابق.

أما محاولة الانقلاب رغم فشلها, فقد تعقد الوضع الخطير حيث وقعت بعد شهور من تصاعد العنف وهناك انتخابات برلمانية وطنية يتوقع إجراؤها في العام المقبل. وقد دعت عدة مجموعات معارضة إلى ضرورة إجراء هذه الانتخابات في موعدها وعدم تأجيلها رغم الاضطرابات.

الأربعاء، 5 يونيو 2019

أوراق نقدية جديدة والحرب على الفساد في كينيا

يونيو 05, 2019
أوراق نقدية جديدة والحرب على الفساد في كينيا
تحتل كينيا المرتبة 143 من أصل 180 على مؤشر الفساد في منظمة الشفافية الدولية؛ حيث ينتشر الكسب غير المشروع والمحاباة، إلى جانب النزاعات العرقية التي يستغلها القادة السياسيون وتعيق الإدارات المتعاقبة. كما أن الافتقار إلى المساءلة العامة والشفافية وغياب المنظمات والهيئات المراقبة القوية قد عزَّز من شهية المسؤولين الذين اتسموا بالفساد. وكانت النتيجة أن استمرَّ انعدام الثقة العامة في العديد من القطاعات العامة في البلاد.

وقد أعلنت إدارة الرئيس "أوهورو كينياتا" في عام 2018م عن إجراءات صارمة لمحاربة الفساد؛ حيث حاكمتْ منذ ذلك الحين عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين بتهمة إساءة استخدام مناصبهم لجمع الثروة، والتآمر لسرقة الأموال العامة، وغيرها.

وقد فَقَدَ الرئيس "كينياتا" أصدقاء وحلفاء وأنصارًا كثيرين إثر هذه الإجراءات، وما يزال يؤكّد نيّة إدارته مواصلة الجهود للقضاء على الفساد؛ في المقابل يرى بعض المراقبين والنشطاء أن جهود مكافحة الفساد ولوائح الاتهام والمحاكمات قد تصبحُ أداة مسلحة لتحقيق أهداف حزبية في الانتخابات المقبلة عام 2022.

جدير بالذكر أنه في العام الماضي أعلنت الحكومة أنها ستهدم 4000 مبنى في نيروبي؛ لأنها بُنيتْ بشكل غير قانوني على أراضٍ واقعة على ضفة النهر. وأصدر "كينياتا" -في محاولة لوقف هدر الموارد العامة- توجيهًا بتجميد تنفيذ المشروعات الجديدة حتى يتم الانتهاء من جميع المشاريع الجارية.

"لقد حان الوقت أن نحارب الإفلات من العقاب. لقد حان الوقت لكي يدرك كل كينيّ بغضّ النظر عن قوتك أو مقدار المال الذي تملكه.. أن كل ذلك لن ينقذك"؛ هكذا قال الرئيس "كينياتا" وهو يردّ على شكاوى البعض، مشيرًا إلى أنه من الضروريّ محاربة الإفلات من العقاب لتحقيق حلم "كينيا الأفضل".

ومع ذلك؛ فإنه من غير المرجَّح أن تُبَشِّر هذه الإجراءات والجهود ببزوغ فجر جديد فيما يتعلق بالحرب على الفساد بكينيا؛ لأن القضاء على الفساد وإدخال الإصلاحات النظامية أكبر بكثير من هدم المباني أو اعتقال أصدقاء الأمس، وإصدار البيانات؛ خصوصًا وأنّ إدارة "كينياتا" نفسها متَّهمة بالفساد، وكثيرًا ما تُوصَف نفقات عدد من الوكالات والهيئات الحكومية ورواتب مسؤوليها بالإسراف وهدر الأموال العامة.

أوراق نقدية جديدة لمحاربة الفساد:


بالرغم من أنّ الكينيين لا يزالون يشكِّكون في جدوى مكافحة الفساد المُعلَنة؛ أصدرت الحكومة بداية شهر يونيو الجاري جيلاً جديدًا من الأوراق النقدية؛ لتكون طلقة مباشرة على الفساد المستشري في البلاد.

وبحسب إعلان الحكومة؛ سيتم وقف إصدار فئة 1000 شلن (10 دولارات) بحلول اليوم الأول من شهر أكتوبر القادم -في محاولة لمحاربة الفساد والتزوير وغسل الأموال-. وسيتعيّن على الذين يرغبون في تبادل المبالغ (من فئة العملات القديمة إلى الجديدة) بين مليون و5 ملايين شلن الذهابَ إلى بنوكهم للقيام بذلك.

أما الذين يريدون تبادل المبالغ ولكنهم لا يملكون أي حساب مصرفي؛ فسيتعيَّن عليهم التواصل مع البنك المركزي، والذي سيوجّههم بدوره إلى أحد البنوك المحلية بعد تقديم ما يكفي من الوثائق لإثبات هويتهم، والتأكّد من مِلْكيّتهم للمبالغ. يضاف إلى ما سبق أنه يتعين على من لديهم أكثر من 5 ملايين شلن نقدًا الاتصال بمسؤولي البنك لتدبير عملية تبادل العملات، ما يعني تلقائيًّا أنّه يجب على العملاء أن يوضِّحوا لمختلف البنوك التجارية أنواع أعمالهم وطبيعتها التي تطلبتْ منهم معاملات نقدية ضخمة.

"إن الهدف من هذا الإجراء هو التعامل بشكل حاسم مع المخاوف الناشئة حول التدفقات المالية غير المشروعة والمزيفة"؛ هكذا قال إشعار الجريدة الرسمية بتاريخ 31 مايو حول المساوئ الناتجة من فئة 1000 شلن القديمة.

وإذ أعلنت الحكومة موعدًا نهائيًّا لوقف فئة 1000 شلن، إلا أنه لا يوجد موعد نهائي لوقف الفئات القديمة الأخرى. وقال البنك المركزي: إن هناك أكثر من 217 مليون قطعة من فئة 1000 شلن متداولة حاليًا في كل البلاد. كما أن البنك أشار إلى أنه يعمل مع مكاتب الصرف النقدي ومقدمي خدمات الدفع ومقدمي تحويل الأموال ووكالات التحقيق ومقدمي الخدمات المالية الآخرين لضمان اتباع جميع الإجراءات القانونية الواجبة.

فاعلية الأوراق النقدية الجديدة:


وقد نالت توجيهات البنك المركزي الدعم من مختلف المجموعات والاتحادات والمحاسبون وجمعيات القطاع الخاص. وكانت حُجّتهم أن إلغاء استعمال الأوراق النقدية القديمة وسحبها من التداول بمثابة خطوة جيدة للصحة المالية، وستجلب المزيد من السيولة في اقتصاد البلاد، مع تقليص الاقتصاد السِّرّي المخفيّ عن النظام المالي.

غير أن بعض المحللين يشككون في فاعلية هذه الخطوة؛ لأنها تمنح "عفوًا هادئًا" للتجار غير الشرعيين الذين قد يستخدمون البنوك والوكلاء الآخرين للتغلب على النظام؛ كالذي حدث في الهند عندما أعلنت الحكومة إلغاء تداول فئتَي 500 روبية (7.2 دولار) و1000 روبية (14.4 دولار) في نوفمبر 2016.

وإذ كان الهدف الأساسي من خطوة الهند هو القضاء على الأموال غير المشروعة وتعزيز الدفع والمعاملات الرقمية، فقد أظهرت الأبحاث أن المكتنزين في الهند وجدوا طرقًا أخرى لتغيير الأوراق النقدية القديمة لأخرى جديدة.

وقد أظهر العديد من الكينيين غضبهم واستياءهم من العملة الجديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي عريضتَين أمام محكمة البلاد؛ وذلك لأن الأوراق النقدية الجديدة رغم عرضها للحياة البرية في كينيا، فقد حملت فئة 1000 شلن منها صورة "مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات" (KICC) مع تمثال لـ "جومو كينياتا" – الشخصية التي لعبت دورًا رئيسيًّا في قيادة كينيا نحو الاستقلال وأول رئيس للبلاد، ووالد الرئيس الحالي "أوهورو كينياتا". بينما ينص دستور كينيا لعام 2010م على أنه لا يمكن للنقود - سواء العملات المعدنية أو الأوراق النقدية - أن تحمل صورة لفرد أو شخص.

الثلاثاء، 28 مايو 2019

ماذا بعد فوز الرئيس "موثاريكا" برئاسيات ملاوي؟

مايو 28, 2019
ماذا بعد فوز الرئيس "موثاريكا" برئاسيات ملاوي؟
قد أعلنت لجنة الانتخابات الملاوية فوز الرئيس منتهي الولاية "آرثر بيتر موثاريكا" في الانتخابات التي أثارت انتقادات واسعة، وذلك بعد رفع المحكمة العليا الأمر القضائي الذي أجبر لجنة انتخابات ملاوي على وقف إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية؛ حيث زعمت المعارضة أن هناك حالات تلاعبٍ بالأصوات.

"أعلن بموجب هذا، أن آرثر موثاريكا هو الفائز في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 21 مايو"؛ هكذا قالت "جين أنسا" رئيسة لجنة انتخابات مالاوي.

وإذ سجّل ما يقرب من 7 ملايين شخص للتصويت في هذه الانتخابات التي سبق وأن أشارت عدة استطلاعات إلى أن نتائجها ستكون متقاربة، فقد حضر حوالي 5 ملايين شخص للتصويت في أكثر من 5000 مركز اقتراع في جميع أنحاء البلاد يوم 21 مايو، كما أعلنت الهيئة الانتخابية بطلان 74،719 صوتًا.

وبحسب لجنة الانتخابات، فاز "موثاريكا" : بـ 1.9 مليون صوت – ما يمثّل 38.57٪ من الأصوات وبفارق ضئيل عن ما حصل عليه المعارض "لازاروس تشاكويرا" من "حزب مؤتمر مالاوي"؛ والذي حاز 1.8 مليون صوت، وتمثل 35.41٪ من الأصوات، ما يعني أنّ "تشاكويرا" حصل على المركز الثاني، وهو المركز نفسه الذي حصل عليه في انتخابات 2014م.

مصداقية الانتخابات وشفافيتها:


لقد خاض هذه الانتخابات أيضًا "سالوس تشيليما"؛ المدير التنفيذي السابق لشركة "إيرتل"، والذي كان نائبًا للرئيس "موثاريكا" في ولايته الأولى، لكنه انقلب عليه، وانسحب من فريقه بحجة أن إدارة "موثاريكا" فاسدة. وقد أسَّس "تشيليما" حزبه "حركة التحول المتحدة" في محاولة لخوض الانتخابات ضد رئيسه، وحصل على المركز الثالث بأكثر من مليون صوت تمثل 20.24٪ بحسب نتائج الانتخابات.

وعلى الرغم من أن عملية التصويت تبدو سلمية من حيث الإدارة، وناجحة من حيث الممارسة، إلا أن طريقة التعامل مع النتائج كانت فوضوية؛ الأمر الذي أدّى إلى شكاوى التزوير واتهامات بتغيير أوراق النتائج.

واعتُقِل يوم الخميس الماضي مسؤول من لجنة الانتخابات على أساس التلاعب في أوراق النتائج من مركزٍ لفرز الأصوات في الدائرة الانتخابية التابعة له، وأنّه مَحَا بعض الأرقام من أوراق النتائج بسائل تصحيحٍ، وأدرج أرقامًا أخرى فيها، ما أدَّى إلى أن دعت أحزاب المعارضة إلى إعادة فرز الأصوات أو إجراء انتخابات جديدة.

ويُعدّ "تشيليما" - نائب الرئيس السابق - من الزعماء السياسيين الذين دعوا إلى وجوب إجراء انتخابات جديدة؛ بسبب ما وصفه بالمخالفات الانتخابية الخطيرة.

"إنني أدعو اللجنة الانتخابية إلى إلغاء التصويت الكلي في ظل الانتخابات الثلاثية (الرئاسية والبرلمانية والمحلية) التي أجريت في 21 مايو 2019م. يجب على البلد إعادة تجميع صفوفه والتحضير لانتخابات ذات مصداقية ترضي شعب ملاوي" ؛ هكذا قال "تشيليما" في بيان، وأضاف "يجب ألا نسمح للمحتالين بالاستمرار في احتجاز هذه البلاد فدية".

وفي 25 مايو، حصل "حزب مؤتمر ملاوي" على أمر قضائي توقفت اللجنة الانتخابية بموجبه عن إعلان النتائج الرئاسية؛ حيث طالب زعيم الحزب "لازاروس تشاكويرا" من الهيئة الانتخابية إصلاح المخالفات حول الأصوات في بعض أنحاء البلاد بسبب حالات شذوذ هائلة ونزاعات انتخابية. ودعا الحزب إلى إعادة فرز الأصوات بحضور ممثلين عن جميع الأحزاب السياسية.

تقييم المراقبين لانتخابات مالاوي:


ويوم الخميس الماضي أصدر المراقبون الأجانب للانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية في ملاوي تقييمًا أوليًّا، قائلين: إنه على الرغم من سلمية العملية وهدوء الأجواء؛ إلا أنها كانت معيبة.

وفي تصريح لبعثة الاتحاد الأوروبي، فإن لجنة الانتخابات في ملاوي نظَّمت الانتخابات بشكل جيد؛ لكن فترة ما قبل الانتخابات اتّسمتْ بالتوتر.
"ما نعتبره مشكلة، هو إساءة استخدام موارد الدولة، والتحيز مِن قِبَل وسائل الإعلام الحكومية"؛ هكذا صرح "ميروسلاف بوتش"، كبير المراقبين في بعثة الاتحاد الأوروبي، وعبَّرت البعثة عن أسفها للهجمات الموجَّهة ضد السياسيين المعارضين قبل عملية التصويت.

وأشار رئيس فريق المراقبين في الكومنولث، رئيس جنوب إفريقيا السابق "ثابو مبيكي"، إلى نجاح إدارة هذه الانتخابات، ولكن لا يمكن الجزم بنزاهتها وشفافيتها بعدُ.

"نحن لا نصدر أي أحكام - هذه مسألة ستنشأ فيما بعد"؛ هكذا قال مبيكي، وأضاف: "بعدما تم القيام بكل شيء، سيكون من الممكن لفريق المراقبة أن يقول: الآن، بالنظر إلى كل ما سمعناه ورأيناه، يمكننا القول: إن هذه الانتخابات كانت نزيهة أو غير ذلك".

ما بعد فوز الرئيس "موثاريكا":


تولَّى "آرثر بيتر موثاريكا" – وهو أستاذ القانون السابق البالغ من العمر 78 عامًا، السلطة في مالاوي عام 2014م، ويُعزَى إليه الفضل في تحسين البنية التحتية، وخفض التضخم الذي عانت منه البلاد، لكنه واجَه مؤخرًا اتهامات بالفساد وتفضيل المناطق الريفية التي لا يزال دعمه فيها قويًّا. واتّسمت الشهور الأخيرة من فترة ولايته الأولى بنقص الغذاء وانقطاع التيار الكهربائي.

ويأمل الملاويون الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات في دولة تتغلَّب على الفساد ونقص فرص العمل، خصوصًا وأنّ أعمار 54% من حوالي 7 ملايين شخص مسجل للتصويت تتراوح بين 18 و34 عامًا، كما أنّ ما يصل إلى 56% من الناخبين المسجّلين من الإناث.

أما "نيكولاس داوسي"؛ عضو "الحزب الديمقراطي التقدمي" الحاكم ووزير الداخلية السابق، فهو يرى أن إعلان فوز حزبه نصر مستحَقّ؛ "كنا نعرف دائمًا أننا سننتصر بسبب التطور الذي حققه الرئيس موثاريكا في السنوات الخمس الماضية"، مضيفًا إن "لدينا تفويض آخر لمدة خمس سنوات من التنمية والسلام والاستقرار".